في القرن الثامن الميلادي كتب عبد الله ابن المقفع مؤلفه الشهير ''كليلة ودمنة"، وهو ترجمة لقصص من التراث الهندي، لكنه لم يخل حسب المختصين من إضافات وإبداع ابن المقفع، يتضمن قصصا وحكايات ممتعة بليغة تستنطق الحيوان لتبعث رسائل اجتماعية وسياسية لمن يهمهم الأمر، وقد كانت هذه الحالة الإبداعية الهامة مثالا معبرا عن قدرة الأديب المفكر على تجاوز العوائق والمحظورات لإيصال كلمته بشكل مباشر أو بالرمز والتلميح، لكنها أكدت أن العلاقة بين المثقف والسلطة كانت على الدوام شيمتها التوتر والحساسية وتراوحت بين المواجهة والمناورة، الالتفاف والمهادنة. لقد كانت حياة ومآل ابن المقفع تجسيدا للثمن الذي يمكن للمفكر أن يدفعه نتيجة تعبيره عن آرائه، حيث انتهت حكايته بإعدامه بعد اتهامه بالزندقة، وهي قصة تكررت في التاريخ مع الكثير من أعلام العلم والفكر والأدب، فراح الكثير منهم ضحية الصراعات السياسية والعلاقات الخطيرة مع السلطة، مما جعل الكثيرين منهم يختارون الهدنة والموالاة متى وجدوا إليها سبيلا، فالخوف عدو الفكر، وللمصالح والمسؤوليات والقيود الاجتماعية ثقل لا قبل للكثيرين به، فلا عجب أن ينزع الشباب إلى الاندفاع والتغيير والشيوخ إلى المحافظة وقبول الوضع. تذكرت هذه التجربة الفكرية والأدبية الرائدة حين التقيت قبل أيام صديقا من زمن الدراسة الجامعية، كان متفوقا في الدراسة مطلعا مهتما وقارئا نهما، حتى تنبأ الجميع حينها أن يكون من كبار الكتاب والمفكرين، عرفناه جسورا مندفعا يجاهر بآرائه ولا يخشى في الحق لومة لائم، في الحلقات والوقفات والاعتصامات، فكلفه ذلك عداء إدارة الكلية والكثير من الأساتذة، وقد انقطعت أخباره رغم تفوقه الدراسي ونجاحاته المهنية، لألتقيه بعد سنين وقد تغيرت مواقفه وأفكاره، وقورا متحفظا يختار كلماته بكل عناية، فكأني أمام شخص غير الذي عرفته، وقد لاحظ دهشتي وحتى دون أن أسأله أجابني: في الأسبوع الماضي شاهدت فيلما عن الحياة البرية، بطلته لبؤة خبيرة تفرض سطوتها على مجموعتها المكونة من لبؤات وأسود متفقين على توقيرها واحترامها، يأتمرون بأمرها وينتظرون إشارتها ومبادرتها أثناء الصيد، لكن حصل أن حملت هذه اللبؤة ووضعت أشبالا، فتغير حالها، من الشجاعة والمبادرة إلى التردد والانعزال، وتراجع وضعها في عشيرة الأسود من قائدة إلى مجرد أم، وصار كل همها الحفاظ على سلامة أشبالها وحمايتهم من المخاطر المحيطة بهم من كل جانب.